بين العزلة والقانون: صراع الداخل مع صخب الواقع
منذ أيامٍ وأنا ألحظ نفوري من اجتماعاتٍ تخرج عن دائرتي المعتادة، ونفوري من كل عملٍ فيه الكثير من جلبة التعامل مع الآخر في أي شأن، فما بالك بالدفاع عنهم والفصل في أمرهم.
إن اتصالي الشديد مع ما أحب، وبُعدي عمّا أكره، وعزلتي عن الناس، مدّتني بحياةٍ هادئة ليس فيها إلا تفاصيل بسيطة يوميّة. وتشاركي فيها مع الآخر لا يعدو أن يكون أكثر من مشاركةٍ ظاهرية فقط. فمن الجامعة إلى مكتبة الجامعة والانكباب على الدراسات القانونية والإنسانية عامة، إلى بيتي وأسرتي والمسجد وبعض الهوايات البسيطة. علاقتي مع الجامعة علاقة لا تخرج عن قاعات الدراسة ومكتبة الجامعة فقط.
ولكن أيضًا هذا البعد أظن أنّه أورث لديّ حساسيةً عالية أرّقتني، وأفضت بي إلى ترك كل ما فيه رؤية لمتاعب التشارك مع الآخر. وهذا جعلني أهيم بين كتبِ القانون ونظرياته في عالمٍ آخر بعيد عن الواقع، وذلك برغبةٍ مني. وكلما تجمّدت أكثر وصعُب عليَّ الحكم، مالت نفسي إلى أن أبتعد عن النزاعات القانونية الواقعية، والبقاء في حيّز الكتب والنظريات. وهذا لا يُعدّ بُعدًا عن الواقع، ولكن نقصٌ في التجربة فقط.
استيقظتُ منذ أسبوع على اتصالٍ من جهةٍ حكوميةٍ قضائية، واستغربت. قلت في نفسي: لم تخرج يا عمر من مكتبك، ولم تبعُد عن الجامعة والمسجد، ولعبتَ أمس تنس، وكتبتَ قصةً قصيرة، فما الذي يريدونه؟ أجبتُ على الاتصال في آخر لحظة، وأخبروني باسمي وببعض معلوماتي، وقالوا: “شرّفنا غدًا صباحًا، نريد أن نعقد معك مقابلة.” لا أذكر أنّي قدّمت على هذه الجهة القضائية، وأنا لم أتخرّج بعدُ من الجامعة، وأنا شخصية بعيدة فعلًا عن العمل خصوصًا في هذه الجهة القضائية.
دفعني الفضول وجئتُهم على الموعد. دخلتُ على الجهة، وهي أول مرة فعلًا. وجدتُ حولي بعض المتّهمين وأشخاصًا من كل الأطياف، هذه جاءت لتسجن زوجها، وأخرى تصالحت معه بعد جلسة الصلح، وبعض الشباب الذين في عمري وجنت عليهم ظروفهم وزلّت بهم إلى مهالك، رجال ونساء كبار وصغار، مواقف مضحكة فعلًا وأخرى مزعجة، لكن استُقبلت استقبالًا جيّدًا، وذهبتُ مع أحد العاملين هناك إلى المكتب الذي اتّصل بي، وعُقدت المقابلة.
وفي طريقي إلى المكتب، أمشي وأبتسم في وجوه الناس، حتى ظنّ بعضهم أن خلف تلك الطلاقة سماحةً ورقّة، فضلًا عن الهندام الذي اعتقدوا أنّه مشابه لهندام الجهة، جاء أحدهم ليطلب منّي أن أكلّم شخصًا يعمل في الجهة ليُسامح قريبه، قلت: هوّن عليك يا أخي، أنا لست إلا شخصًا طُلب، ولا أعرف ما الذي يُراد، فلا أعمل هنا، ولكنّي متأكّد أنّ أمره يسير، ستذهبان معًا.
خرجتُ من الجهة بعد المقابلة، وكلّي خوفٌ وبُعدٌ عن نفسي ونفورٌ، أذكر أن آرثرشوبنهاور قال في كتاب فن العيش الحكيم:
“لو لزم المرء غرفته لمدة طويلة جدًا، فلا بد أن يتأثر بأبسط انطباع خارج، بل إن نسمة واحدة كفيلة بأن تُصيبه بأذى. ولا بد أن تكون له حساسية مفرطة تجاه الأشياء الخارجية نظرًا لتعوّده الطويل على العزلة والوحدة، وأبسط الأحداث والعوارض، من قبيل كلمة عابرة، من شأنها أن تؤثر فيه أشدّ تأثير. وهو على النقيض تمامًا من شخص هو دومًا في قلب الجلبة والتدافع، والذي يقلّ تأثره وبشكل كبير بهكذا صغائر وتوافه.”
قلت في نفسي: ما الذي أدخلك القانون يا عمر إن كنت ترغب بحياةٍ هادئة وادعة؟ لا أعلم، ولكن أظن أن هناك ظروفًا أفضت إلى هذا القرار. وأنا لا أخفي قدراتي وإمكاناتي ومواهبي في هذا الحقل، ولكن أنزعج كثيرًا من ضرورة، بل حتميّة، الانخراط مع المجتمع في هذا الحقل. بل لا يبرُع المرء دون النظر أكثر والتدافع أكثر، وهذا أمرٌ تكرهه نفسي، ولا أعلم.


